محمد جمال الدين القاسمي

266

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فيه . فهاجر إليه فمات في الطريق . فقبضته ملائكة الرحمة . وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة ، التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى . لأن اللّه وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم . وبعث نبينا بالحنيفية السمحة . فأما الآية الكريمة وهي قوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً . . . الآية ، فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف : هذا جزاؤه إن جازاه . وقد رواه ابن مردويه بإسناده مرفوعا . ولكن لا يصح . ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه . وكذا كل وعيد على ذنب . لكن قد يكون لذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه ، على قولي أصحاب الموازنة والإحباط . وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد . واللّه أعلم بالصواب . وبتقدير دخول القاتل في النار ، إما على قول ابن عباس ومن وافقه ، أنه لا توبة له . أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به - فليس بمخلد فيها أبدا . بل الخلود هو المكث الطويل . وقد تواترت الأحاديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من الإيمان . ثم قال ابن كثير : وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه من حقوق الآدميين . وهي لا تسقط بالتوبة . ولكن لا بد من ردها إليهم . ولا فرق بين المقتول والمسروق منه والمغضوب منه والمغبون والمقذوف وسائر حقوق الآدميين . فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة . ولكن لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة . فإن تعذر ذلك فلا بد من المطالبة يوم القيامة . لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة . إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول ، أو بعضها . ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة . أو يعوض اللّه المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها ورفع درجته فيها ونحو ذلك . واللّه أعلم . انتهى . وقال النوويّ في ( شرح مسلم ) في شرح حديث الإسرائيليّ الذي قتل مائة نفس : استدل به على قبول توبة القاتل عمدا . وهو مذهب أهل العلم وإجماعهم . ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس . وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا ، فمراد قائله الزجر والتوبة . لا أنه يعتقد بطلان توبته . وهذا الحديث وإن كان شرع من قبلنا ،

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ عن أبي سعيد الخدريّ في : التوحيد ، 24 - باب قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ، حديث 21 . والحديث الذي أخرجه أيضا عن أنس بن مالك في : التوحيد ، 36 - باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم ، حديث 40 . وأخرج الحديث الأول مسلم في : الإيمان ، حديث 302 .